ملائكة على الأرض !!

 freedom.jpg

طبع الإنسان على التمرد والعصيان والجنوح لارتكاب الخطايا ، وليس ذلك بدافع الرغبة في ارتكابها ولكنها الجبلة التي خلقت في جوفه ، وطبعت فيه ومزجت بخياله ، فهو يرى في تلك الخطيئة أسلوبا يعبر من خلاله عن كينونة البشرية الناقصة !! إن هذا الإنسان المعذب في روحة ، الباحث عن كيانه في متاهات الحقيقة لهو الأكثر عذابا على هذه الأرض وهو الأكثر ألمًا وبؤسًا وشقاءً من غيره !! كيف يمكن أن يلتمس للسعادة طريقاً وقد أبيت يا رب إلا أن تشقيه بحرية الاختيار وكلت له وحده دون غيره الشقاء والتعاسة دون سائر مخلوقاتك ؟

هذه الحرية التي وهبتها له هي سبب كل المآسي والرزايا التي يحيا فيها البشر الآن ! ان هذه الحرية هي الحطب الذي تشتعل به نيران جهنم وتستعر!! إنها الوقود الذي يُبقي للجحيم مكان … وزمان .
وهذا الإنسان يا رب هو اضعف وأحقر من أن تهبه حرية الاختيار والحراك ، انه العذاب بذاته ، حملته إياه … وقبل به عن جهل!! انه حتى لا يستطيع فهم هذه الحرية ولا يقدر على فك رموزها ، بل انه لم يرى ابغض ولا أكثر هماً له في هذه الحياة من تلك الحرية ! .
“إن الإنسان يؤثر الطمأنينة , بل الموت , على حرية الاختيار في معرفة الخير والشر ؟ ليس هناك ما يستهوي الإنسان في البدء أكثر من راحة الضمير , وفي الواقع ليس هناك ما يعذبه أكثر من هذه الحرية .”
 الكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي في روايته الأروع الأخوة كرمازوف
إن هذا الأمر فوق طاقة البشر , وخارج نطاق مقدرتهم بل إن ذلك مدعاة لعدم راحة الضمير الإنساني وبقاءه في محيط ضيق يلفه الحزن والآلام . فلم اخترت لنا العذاب يا الله وكتبت لنا أن نحيا على رجاء وخوف !! لو حرمتنا رب منها فترتاح ضمائرنا ونبقى أسارا لطاعتك بدل أن تلفحنا حرية معصيتك !!
أيمكن أن نكون نحن من اخترنا هذه الطريق ؟ 

 
قال العوفي عن ابن عباس يعني بالامانه الطاعة عرضها عليهم قبل ان يعرضها على آدم فلم يطقنها فقال لآدم : إني قد عرضت الامانة على السموات والارض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها ؟ قال يا رب وما فيها ؟ قال إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم فتحملها فذلك قوله تعالى ” وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ” تفسير أبن كثير
آه … ما أقسى هذا الاختيار .. أيمكن أن نكون نحن من حكمنا على أنفسنا بوأدها في غياهب تلك الحرية المزعومة ؟!! . سيكون ذلك مدعاة للسخرية … يا للسخرية !! نطلب حرية الاختيار بمحض إرادتنا … فإذا بها تسوقنا إلى عذابات لا حدود لها .
الهي لو أنعمت علينا بطاعتك الأبدية ورزقتنا إياها , وجعلت قلوبنا مسخرة لتنفيذ ما تأمرنا به دون أن يكون لها حرية الحراك بين أن تفعل وان لا تفعل ! . إن ذلك هو ما يبتغيه البشر .. كل البشر .. أعني طاعتك , وهم في سبيل ذلك يتجاوزون كل المحسوسات التي تمتلئ بها الأرض باتجاه تلك الغيبيات والتي لا يكتمل إيمانهم إلا بها !!
إن الاختيار بين الخير والشر، الجنة والنار، السعادة والشقاء ، النور والظلام ، الحب والبغض ، الخلود والفناء … لهو من أصعب المواقف التي يتعرض فيها الإنسان للاختيار ! والتي تجبر فيها الأنفس البشرية بكل ما تحمله من تردد وخوف وبكل ما يتملكها من عدم القدرة على السيطرة الكاملة و الأبدية … وأشدد هنا على ( الأبدية ) على جوانحها وغرائزها .. تُجبر على أن تقرر وتختار بين هذا وذاك دون أن يكون لهذا الاختيار آلامه وعذاباته !.
فمن يضمن أن لا تنغمس نفسه في أودية الآثام والظلمات أو أن لا تجرب الوقوع في حفر المعاصي والشرور ؟  لا يمكن أن يضمن أحد لنفسه ذلك … ولهذا سنبقى أسارا لتلك الحرية المقيتة … والتي باختيارنا لها حرمنا أنفسنا من أن نكون ..  ملائكة !! .



عودة لبداية المدونة

22 ردود على “ملائكة على الأرض !!”

  1. عبد الرحمن جادو قال:

    اخي محمد

    لكن هذه الحرية دعمها الله بهدايته ايانا طريق الخير والشر ” انا هديناه النجدين ” وما كان لمؤمن عاقل واع الا ان يطيع الله ويحمل أمانته ويتحمل تبعتها . قد نقصر احيانا في الفهم وكثيرا في العمل لكن التعويل يبقى على النفس اللوامه التي تعود للمحاسبه والمراجعه مرة تلو الاخرى

  2. نجدي محايد قال:

    جداً عميقة الفكرة والجميل فيها العفوية في طرحها .. الذنب الذي يأتي من بعده تأنيب الضمير وتكدر الخاطر اثمه أخف من الذنب الذي يرتكب بأريحية وبسعة بال .. يعني المسألة مسألة توازن متعب ولكنه ذو نتيجة وفرق كبير عند الحساب .. بدون أي شك .. وهو مصيرنا كبشر صحيح .. لكن ما نراه انا وأنت كحرية .. الحرية السلبية التي أشرت إليها .. ليست إلا حرية في أعين البشر الواهمة .. لأن كل مخلوق يؤدي دوره كما هو مكتوب في اللوح المحفوظ .. والله لا يظلم أحد .. كل مخلوق يجازى على ما فعل .. وهذه حقيقة قد تسبب كآبة عندنا كبشر .. بأن المصير واحد ليس له بديل إما للجنة أو للنار بغض النظر .. تسائل الصحابة عن هذه الحقيقة عند الرسول صلى الله عليه وسلم .. لأنها سببت لهم نوعاً من الضيق .. وهي أن إذا كان المصير مكتوب ولن نرى غيره فلما كل هذا الجهد والإجتهاد .. فكان الرد من الرسول جداً بسيط .. ألا وهو .. ” سددوا وقاربوا ” .. بمعنى انه نحن كبشر قدراتنا محدودة جداً .. وعلم الغيب لله وحده .. فليس لنا إلا العمل المتواصل والمحاولة المستمرة والدعاء .. وختاماً .. لولا الذنب لم يكن هناك استغفار .. والله قد يبتلي التقي المؤمن بقليل من الذنب كي يستغفر ويتوب .. وكوننا نمنع أنفسنا عن ما لذ وطاب من معاصي هذه الدنيا فإننا قد نكون في مرتبة أفضل من الملائكة كم قال كثير من الفقهاء .. الملك لن يتعرض لإغراء المعصية ولا لبريقها الجميل .. فقط أنا وأنت كبشر نمنع أنفسنا من هذا ونصارعه بعنف .. وهذا بحد ذاته شهادة لكل انسان لم يرضخ للمعصية المغرية وتركها ليلقى العوض عند الخالق .. وهو صراع ليس بالهين كما نعرف نحن .. كبشر عاصين .. طالبين المغفرة من الله

  3. layal قال:

    فكره جديده يا محمد مختلفه عن كل ما قرأته لك من قبل
    لو يعلم رب العزه بعدم قدرتنا علي تحملها لما اعطنا ايها
    بنفس الوقت عندما اعطنا الحريه اعطنا العقل والفكر وهو ما لم يعطه لغيرنا
    واعتقد ان الحديث بهذه المسأله سيعيدنا لمتاهة هل الانسان مخير او مسير ؟

    ولا اعتقد ان الجميع يعي ثقل هذه المسؤليه فكما يقول الشاعر
    ذو العقل يشقى بالنعيم بعقله واخو الجهاله في الشقاوه ينعم

  4. محمد قال:

    عبد الرحمن جادو
    هلا بك
    هدايه الله للبشر لطريق الحق ربما هو ما يخفف كثيرا من قسوة الحرية التي اخترناها !!
    وشرفتنا

    نجدي محايد
    هلا بك
    مكابدة صراع الاختيار بين الحق والظلال ربما يكون هو الميزان الذي توزن به اعمالنا ، ففرق بين ان نختار عدم الوقوع في المعصية وبين ان نُجبر على تركها .. في الاولى سيكون الاجر اكبر واعظم .
    اشكرك على الاضافه الشيقة .

    layal
    هلا بك
    سعيد ان الفكره مختلفه هذه المرة
    لو يعلم رب العزة بعدم تحملنا للامانه لما خيرنا بها .. كلام مهم وعميق .. اذا نحن مسيرون بناء على ذلك .. اليس كذلك ؟ ربما

  5. alkeculteu قال:

    layoiz…

    wtehvxxrgyo apevnopdc ozpxgrp…

  6. تجارة العملات قال:

    مشكور

  7. ابراهيم قال:

    يسم الله ذو العرش المجيد يفعل ما يريد ولايسأل عما يفعل والحمد لله على ذلك فأين تذهبون بأفكاركم هذه أتخاسبون الله عما يفعل و تنعتون أباكم آدم بالظلم والجهل ألا ساء ما تحكمون ولله الحجة هو الذي خلق فسوى وقدر فهدى لا مبدل لكلماته ولن تجدوا من دونه ملتحدا والصلاة والسلام على نبي الرحمة والهدى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  8. سميرة قال:

    هادي الصورة مرة تخوف

  9. غير معروف قال:

    مشكوووووووووووور

  10. شوقي قال:

    بوركت

  11. 3rbsc.com قال:

    لمن يبحث عن الفائدة والمعلومة المفيدة
    http://www.3rbsc.com/vb/

    بالتوفيق

  12. ضوء الحقيقه قال:

    جزاك الله كل خير وجعل ذلك فى ميزان حسناتك

  13. عطيه الفطايرى قال:

    وللله جنود السموات والارض

  14. الفارس قال:

    مشكوور ووفقك الله للخير
    Thank You

  15. كريم قال:

    اسعدك الله ويسرك للخير.

  16. رعد قال:

    اسعد الله ايامك

  17. توفيق قال:

    بارك الله فيك وجزاك كل خير

  18. الهلالى قال:

    الله يعليك ويكرمك اخى الغالى

  19. علاء قال:

    نور الله طريقك

  20. جامبو قال:

    شكرا جزيلا على التدوينه الجميله

  21. الامبراطور قال:

    الف الف شكر وموفق باذن الله

  22. غير معروف قال:

    نغهفعفنف فتنا5655654غنغحغتا 565ع85غ5ف-6غ5غ5ف5غا

أكتب رداً: