ذاكرتي المريضة !

تسمرت عيناي نحوه في محاولة يائسة مني لإلتقاط أي إشارة من أرشيف عقلي الداخلي تدل على شخصيته ، أحسست باحراج بالغ وهو يمد يده لي ليصافحني ، ” الأخ محمد ؟ ” قالها وهو متيقن من أنني ساوافقه على أنني بالفعل ذلك الشخص الذي يعنيه ، وأستطرد بعد برهة صمت ” ما عرفتني ؟ “ قالها وهو ينظر لي بشيء من الريبة ! أما أنا فأنطلقت مسرعاً مرتبكاً لأرشيف عقلي الداخلي أبحث عن الملف الخاص بهذه الشخصية التي فاجأتني بتواجدها أمامي دون سابق إنذار ، حاولت تقليب الكثير من الملفات الملقاة هنا وهناك وتصفحت العديد من الصور الختزلة في باطن عقلي دون أن التقط أي إشارة واضحة وصريحة حول إسم أو كينونة ذلك الشخص ! حاولت جاهداً مرة أخرى تقليب بعض الأوراق القديمة وتوصلت أخيراً لبعض الخيوط التي ستقودني لتذكره ، شكل الوجه وتقاطيعه قد مرت بي من قبل ، ” بدأت الذاكره تشتغل الآن ” هكذا حدثتني نفسي . تلعثم لساني قبل أن أستطرد في مجاراته بالحديث والسلام عليه ، ” هلا والله ، كيف الحال … ” وكل الكليشة المعروفة في قاموس المجاملات بيننا نحن السعوديين ، كل ذلك وأنا لم أتوصل بعد لشخصيته الحقيقية !
هو مرض النسيان الذي يعصف بذاكرتي ، لم أعد أذكر الوجوه التي تذكرني ، نبضات عقلي الداخلية المسئولة عن نقل الإشرات العصبية من مركز الذاكرة إلى مركز التفكير أصابها العطب ، الطريق بين المركزين يعاني من التشققات والتشوهات ، وهو ما يجعل التواصل بينهما أكثر صعوبة ومشقة . قرأت مرة أن الذاكرة نفسها قد تهمل الأحداث التي تمر بك إذا لم يكن هناك رغبة مباشرة منك في إستدعائها ! لكن لا أذكر مرة أنني اهملت حدثا ما يشكل أهمية بالنسبة لي ولم أعره إهتمامي ، ومع ذلك فكثير من الأحداث المهمة التي كانت قريبة مني في يوم ما تبدو الآن بعيدة عني .
” ذاكرتك تنتحر ببطء “ ! هكذا حدثني عقلي الباطن ، أصابني الفزع من هذا التحليل المغرق في التشاؤم ، وما الذي يدعوها للإنتحار أصلاً !؟ أعلم أن ذاكرتي في وقت ما كانت أكثر شيء يدعوني للتفاؤل ، كانت هي مصدر هذا التفاؤل ، كنت في وقت مضى أعتمد عليها بشكل كلي في إستدعاء الماضي الملئ بكل التفاصيل ، ذاكرتي كانت مخزن ذلك الماضي ، أستمتع بسرد التفاصيل الدقيقة عن كل ما مر بي ، أحاديث الناس ، ملابسهم ، اسماء الشوارع ، واسماء الأصدقاء ، وحتى الوجوه ، أذكرها بكل ما فيها من إنحناءات وتجاعيد ! لكن هذه المرة ، لم أستطع تذكر وجه هذا الصديق الواقف أمامي والذي يكسوه فيما يبدو الذهول . تخلت عني هذه الملعونة الآن ، الآن ! وهل هذه هي المرة الأولى التي تتخلى فيها عني ؟ منذ ما يقرب من السنة وهي تفعل معي ذات الشيء ، تخونني في كل موقف أحتاج فيه لتذكر الوجوه أو الأسماء ، تتلاعب بأعصابي ، بل هي أقرب للسخرية مني ! تعلم باني أحتاجها وأحتاج لأرشيفها الملئ بالغبار! أرشيف توقف عن جمع المعلومات وأختزانها منذ زمن ، أرشيف لم يعد مجدياً ما دامت تلك الذاكرة قد أصابها العطل .
إستجمعت كل ما توفر لي من حيلة وقلت وكأني قد توصلت لحل للمشكلة ” الأخ .. ن .. او .. ف ..” كنت ساستطرد بسدر بقية الحروف الهجائية حتى أصل للحرف الذي يبدأ به أسمه !! ولكنه أنقذني أخيراً عندما قال ” تركي .. تركي ناصر ” قالها وكأنه يقذف لي بطوق النجاة الخاص بالانقاذ والذي يستعمله البحارة لإنتشال الذين تقذف بهم الأمواج إلى عرض المحيط الهادر . بادرته بسرعة وكأني غريق تمسك بقشة ” اه .. الاخ تركي .. ايه نعم تذكرتك !! .. وين أيامك يا شيخ .. من زمان ما شفناك !!؟ ”
والعباره الأخيرة هذه هي إحدى الوسائل المليئة بالخبث والتي أستعملها عادة في مثل هذه المواقف ! فجملة ” وين أيامك ” ستجبر محدثي على سرد قصته منذ إفترقنا وحتى وقتنا الحاظر ، وعبارة ” من زمان ما شفناك ” ستكون مخصصة للفترة الزمنية التي تغطيها تلك القصة وأنا سأكون حينها مستعداً لعملية الربط بين تلك الأحداث وأحداث مرت بي وهكذا حتى تكتمل الصورة ، أو لأكون صادقاً حتى تتضح الصورة قليلاً بالنسبة لي ، فالإكتمال هنا مرحلة فقدتها منذ زمن ، لا يوجد حدث مر بي ويكون مكتملاً في ذاكرتي ، حتى عندما أتذكر بعض ما مر بي يكون ذلك على مراحل ، وغالباً ما تكون تلك المراحل مشوهة كجنين غير مكتمل النمو . ولا يخلو حدث من وجود حلقة مفقودة تعصف به وبشخصياته ، ويبدو أن صاحبي هذا ينتمى الى بعض تلك الحلقات المفقودة من ذاكرتي .
قصتي مع ذاكرتي هذه قصة ! في السابق كانت أحلامي تتراءى لي واقعاً معاش من شدة وضوحها ، كنت أرويها بكل عنفوانها وبكل تناقضاتها . أما هذه الأيام فالأمر مختلف تماماً . أحلامي تتفلت مني بمجرد أن أعود للحياة مرة أخرى ! لا أعود أذكر أي حدث حلمت به أو أي شخصيات حواها ، والأمر المخيف حقاً هو أن ذلك يحدث مباشرة بعد اليقضة ! وكأن تلك الأحلام أنتزعت مني إنتزاعاً ! أستفيق أحياناً من النوم على وقع رؤيا معينة مفزوعاً ، أكاد أختنق ، وعندما أبحث عن سبب ذلك الفزع في ثناياها أجدني أمام سراب مبهم ! عبثاً أعصر دماغي لعلي اتحسس بعض خيوط تلك الرؤيا ولكن دون جدوى . حتى أن أحلامي الجميلة لم أعد استمتع بروايتها كالسابق ، أصبحت تلك الأحلام بلا لون ، وبلا رائحة ، فقدت حتى الشعور بلذتها .
بعد حديث عابر لا يخلو من المجاملات ، غادرني ( تركي ) ، وبقيت وحيداً في ذلك الموقع أتامله … ، كنت أتسائل حينها عن سبب وجودي هنا ! وما الذي أتى بي لهذا المكان ! كان وقتاً طويلاً يبدو أنه مر منذ غادرت اليوم منزلي ، نظرت للساعة الملتوية على معصمي ، كانت عقاربها تشير للثانية ليلاً . أخرجت الهاتف النقال من جيبي ، كان مقفلاً . أعدت تشغيله بسرعة ، 20 إتصال مفقود كانت تحوي ذاكرته وأكثر من 14 رسالة غير مقروئة ! فتحت إحداها وقرأت :
” لا تنسى … موعدنا اليوم الساعة 9 باليل
سُهى ”


16 مارس 2007 في الساعة 1:39 ص
عاد توك شباب
الله يعينك
16 مارس 2007 في الساعة 1:46 م
بيض الله وجهك يا ابن بني شهر لي سؤال بودي ان اتعرف على معنى كلمة مدون ؟
وهل من الممكن ان يصبح اي شخص مدون ؟
وماهي الطرق التي يتبعها الشخص ليصبح مدون ؟
آخر سؤال هو: هل سترد على رسالتي ام ستدونها في سلة المهملات؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
شكر الله سعيك
اخوك محمد الشهري2
شتاء2007 ابها،،،،،،
16 مارس 2007 في الساعة 2:57 م
الحال من بعضه ..
وإن وجدت حلا فسأكون مدينا لك ..
شكرا على هذا السرد الرائع .. دمت بخير
16 مارس 2007 في الساعة 5:46 م
إيييييه يقولك الكبر شييييين…
يا الله حسن الخاتمة!!
تحياتي؛؛؛
16 مارس 2007 في الساعة 7:27 م
بالأمس كنت قد أخبرت أهلي أنني سوف أخرج ليلاً واريد قهوة وشاي..
عدت إليهم بعد صلاة المغرب.. قالوا أتريد الشاي ثقيلاً أم خفيفاً..
قلت لهم: (أي شاهي؟) قالوا.. الذي سوف تخرج به.. تذكرت قليلاً..
قلت .. (ثقيلاً) [حفظاً على ماء الوجه] وقد كنت نسيت أني قلت لهم أن يصنعوا شيئا..
ذاكرتي ضعيفة..
لا أعلم لماذا..
ولكن ليس دائماً..
16 مارس 2007 في الساعة 9:35 م
عزيزي .. انها الحياة…والحياة لولا نعمة النسيان علينا لاضحينا وحوشاً مفترسة تتعاون لتهشيم جسدها المتهالك.. احمد الله الذي لطف بنا و رزقنا النسيان… وقاتل الله من اخترع المفكرة…..!!!
تحيتي
18 مارس 2007 في الساعة 5:59 م
ماشي صح
وش دراك اني توني شباب ؟
محمد الشهري2
هلا بالسمي ..
التدوين يا محمد لا يتطلب منك الا ان يكون لديك رغبة وقدرة على الكتابة في أي شأن تحبه .. ادب ، خواطر ، مقالات : سياسية ، اقتصادية ، محلية ، تقنية … ومتى ما توفرت لديك تلك الموهبة والقدرة تستطيع أن تسجل في أي موقع خاص بالتدوين وافضلها http://www.blogger.com/
وتستطيع بعد التسجيل نشر مقالاتك بشكل شبه يومي ، او حسب مقدرتك الشخصية ، التسجيل لن يأخذ معك كثيراً .. ربع ساعة بالكثير .
وعلى العموم خذ هذه الوصله بتعرفك اكثر على التدوين وعالمه والمواقع المفيده لك
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%86%D8%A9
وإذا سجلت ، اعلمني بعنوان موقعك علشان نزورك ونبلغ الشباب بظهور مدون سعودي جديد . بس تكفى ( ترى اسم محمد الشهري حق حصري وغير مسموح بتكراره في المدونات
نـَـظـْـم
اثرك شايب مثلي
على العموم اذا وجدت حل انا ذكرني علشان ابلغك بالحل
ابو سعد
والله الكبر شين يا بو سعد وخصوصاً إذا كانت الذاكره ما تتجاوز واحد ميجا
09 يوليو 2008 في الساعة 5:47 م
جزاك الله كل خير وجعل ذلك فى ميزان حسناتك
15 أغسطس 2008 في الساعة 8:10 م
هذه ردى هو أ هطل
21 أغسطس 2008 في الساعة 7:33 ص
التعبير عن الشعور مطلوب 00 وذاكرتنا نحكمها كما نريد بالايام والساعات الجميله التي بغمضة عين تنتهي وتختفي وليس لها اثر على الاطلاق — والذكريات المره الحزينه المبكيه == الموضوع جميل جدا ننتظر الاجمل