… بل أسبوع للتدوين وللحرية المسئولة !

.. تخيل لو حيل بينك وبين مدونتك وطلب منك مكرهاً أن تتركها ، أن تعدمها ، أن تنساها.. أو أن تكون تدويناتك محصورة ضمن دائرة ضيقة حدودها مصبغة باللون الأحمر !
أشعر بالانقباض في صدري عندما أحاول تخيل هذا الأمر .

صدقوني التدوين أصبح بالنسبة لي أشبه بالأوكسجين الذي تستمد منه رئتاي حيويتهما ، أتنفسه بعمق شديد ، يغذي دمي وعقلي ، يجوب شراييني ويعانق قلبي ، أحس بالسعادة عندما اخط حرف هنا ، اشعر بكينونتي الحقيقية ، بأني إنسان أفكر وهناك من يقرأ فكري أشعر وهناك من يراعي مشاعري ، اضحك وهناك من يضحك معي ، أسامر حبيبتي وأغازلها وهناك من يسترق النظر لي .. التدوين عالم آخر لا يحس بعمقه وبحميميته إلا من خبره .

ولا تكتمل لذته إلا عندما يكون نقياً صادراً عن قناعة داخلية خالياً من أي منغصات أو محددات وهمية وخطوط حمر أو خضر أو زرق حتى ! وإلا فإن الأوكسجين الداخل للجسم حينها سيكون ملوثاً وسيحمل الميكروبات لخلايانا الداخلية وسيصل لخلايا عقولنا وستصاب حينها بالعطل !

وفي رأيي فإن الحرية المسئولة للمدون هي عماد التدوين الحقيقي ، وهي المصفاة الوحيدة القادرة على تنقية الهواء وإدخال الأكسجين اللازم لصحة عقولنا .

يحي المدونون هذا الأسبوع تدوينات الفرحان من جديد ، هو يوم في نظري لإعطاء مساحة للتدوين المسئول ، وهناك كثير من تدوينات الفرحان فيها روح المسئولية وحب هذا الوطن وتمني الخير له . بعيداً عن تلك التي قد أختلف معه بخصوصها وهو أمر طبيعي في عالم التدوين أن نجد هذا الإختلاف ، وهذه إحداها :

في السعودية.. لا للإرهاب، نعم للحوار

تتضارب المشاعر مع كل بيان يصدر من وزارة الداخلية بخصوص القبض على خلايا إرهاب جديدة تتكون من أبناء الوطن. ينتابني ارتياح لأن الأجهزة استطاعت إيقاف هذه المجموعات وفي نفس الوقت ينتابني التشاؤم والقلق والخوف حول مستقبل الإستقرار في هذا البلد. هذه الأخبار تشير إلى أن القاعدة في السعودية لا يمكن أن تكون قد ماتت أو انتهت على الرغم من الهدوء الذي تمر به البلد منذ آخر أعمال عنف. تنشر بعض الصحف هذه الأيام مراجعات جماعة الجهاد المصرية عن خط العنف وحمل السلاح الذي اختارته سابقاً في صراعها مع الحكومة المصرية. وكانت الجماعة الإسلامية في مصر قد عملت ذلك من قبل. تراجعات جماعات العنف هو أمر مطلوب ومحمود ولكن أليس من حق شباب تلك الجماعات أن يحاسب قياداته عن كوارثها الإستراتيجية؟
ليس هناك من شك بأن فترة الصحوة في السعودية -والتي ماتت- كان لها إيجابيات وسلبيات. ولكن من أشد سلبياتها بروزاً هو تغييب ثقافة الحوار والنقاش السلمية بين أفراد المجتمع. عندما تنشأ وتتربى على خطابات إقصائيه رافضة وحادة لكل ما يصدر عن من لا ينتمي لتيارك أو فكرك فإن ذلك يشكل من عقلك مزرعة خصبة لفكر العنف ليبذر بذرته فيها.
لا يلجأ للسلاح والتفجير والعنف إلا عاجز بلغ من الإحباط درجة جعلت له فكرة سفك الدماء وتيتيم الأطفال وأرملة النساء فكرة مقبولة لتحقيق أهدافه وتحقيق الإنتقام.
هل تعتقد القاعدة بأنها عندما تخطط لتقوم بعمليات تفجير وعنف وإبادة في بلدنا كما فعلت سابقاً وتعمل حالياً في العراق بأنها ستسقط الحكومة؟. الذي أراه هو أن هدف القاعدة الواضح هو إسقاط الحكومة والنظام واستبداله بنظام حكم يشابه نظام طالبان حيث يطاردون الناس في الشوارع ويضربونهم بالخيزران عندما لا يكونوا ملتحين. البديل الطالباني هو أقرب صورة للخلافة في مخيلة القاعديين ولذلك يتمنون تطبيقه هنا في هذا البلد وفي غيره من بلدان العالم الإسلامي. قطعاً وبكل جزم أن جميع أوضاع البلدان الإسلامية حالياً وعلى درجة سؤها هي أفضل حالاً من خيارات القاعدة وطالبان من وجهة نظري. عندما تتحاور مع مؤيدي الفكر الطالباني دائماً ما يحتجون بأن طالبان وفرت الأمان للشعب الأفغاني. ذلك صحيح، ولكن أي نوع من الأمان؟ أنه أمان بني على القهر والظلم. بهذا المنطق فإن علينا أن نشيد بنظام صدام حسين لأنه وفر الأمان للشعب. وكذلك نشيد بنظام الأسد في سوريا وكاسترو في كوبا ونظام كوريا الشمالية وملالي إيران. كل أولئك وفروا الأمن لشعوبهم ولكن بالقوة والقهر والاستبداد.
هل الإسلام يدعوا لفرض الأمان على الشعوب بوسائل الإرهاب والاستبداد وكبت الأصوات المختلفة ورمي المناؤين من طائرات الهيلوكبتر كما فعلت طالبان ويشيد بذلك الحادث كاتب الساحات أكاي؟ لا أعتقد ذلك.
عندما تربي الشاب على رفض الآخر ورفض التعايش معه، وعندما تربيه على احتكار الحقيقة فإنك تصنع منه أداه جاهزة لمروجي العنف ليستغلوه. وعندما تعلمه ثقافة الحوار والنقاش بدون تشنج وتخوين وعمالة وتبديع فإنك تضمن لدرجة كبيرة بأنه لن يكون أداة سهلة في أيدي صناع العنف ليستغلوه.
نحن في أمس الحاجة لفترة هدوء أعصاب وتهدئة بين قيادات المجتمع المختلفة من إسلاميين وليبراليين وحكومة. كل طرف في حاجة ماسة لمراجعة أطروحاته السابقة والحالية ونظرته للمستقبل. ما نراه في الإنترنت والساحات والقنوات الفضائية والصحف من تراشق متبادل وتخوين واتهام بالخيانة والعمالة لا يبشر بخير. ألم يحن الوقت للهدوء والتقاط الأنفاس ومراجعة الذات؟
والله كلما نظرت في أطفالي ونظرت لواقعنا يرتابني قلق شديد ورعب حول مستقبل هذا البلد.
ألم يحن الوقت لمصارحة شاملة وحوارات علنية شفافة بين جميع أطياف المجتمع وقياداته وحتى الحكومة؟ فكرة الحوار الوطني هي فكرة جميلة ولكنها تجري خلف أبواب مؤصدة ويشارك في كثير منها نخب معينة ليس لها هم سوى تثبيت موقفها والسعي لتبرئة نفسها من التقصير وحماية مكاسبها. لا نعرف عنها سوى ما يتسرب في وسائل الإعلام المحلية التي لا نثق فيها. نريد أن نرى جلسات حوار علنية يتم مناقشة الإرهاب ومشاكل المجتمع بكل صراحة وشفافية. نريد أن نطمئن أن هناك من يفكر فعلاً في مستقبلنا ومستقبل أولادنا. نريد أن نشعر فعلاً بأننا مواطنين جزء من هذا البلد تشاركنا فيه النخب والقيادات والحكومة رؤيتها وتحليلها لما يحصل في وطننا.



عودة لبداية المدونة

20 ردود على “… بل أسبوع للتدوين وللحرية المسئولة !”

  1. خالد العيسى قال:

    “الحرية المسئولة”

    أجمل تحية محمد

  2. ابراهيم قال:

    أحسنت الإختيار أخوي محمد …

    ونعم الحريه يجب ان تكون مسؤله …. والبعض يريد ان يضع لها حدود وطريق … لكن السؤال من هو الذي يضع هذه الحدود … وفي حالة تم تعدي هذه الحدود … ماهي القيمه المدفوعه.

    تحياتي لك

  3. بشوره قال:

    عن جد الا يدخل التدوين يدمن :)
    وصدقت لما قلت انو زي الاكسجين ……
    بس ياريت نوصل للحرية
    ” حرية التدوين المسؤلة ” :(

  4. محمد قال:

    خالد العيسى
    هلا بك :)
    ولك مثلها :)

    ابراهيم
    هلا بك :)
    المفترض أن تكون ثقافة المدون وقدرته على قراءة الأمور بطريقة واقعية هي التي تصنع حدود الحرية له ولا شي آخر ! وبالتالي قد تتسع هذه الحرية وقد تضيق من مدون لآخر حسب ثقافته وقدرته على قياس الأمور بطريقة واقعية وصحيحة . لكن من المهم ان اذكر هنا امر ضروري وهو انه يجب على المدون وهو يرسم حدود حريته ان يترك لنفسه مجال للتراجع وخط للرجعة وان لا يحرق اوراقه بشكل سريع وكامل وهنا يبرز الدور الثقافي للمدون ومدى قدرته على قول ما يريد بدون ان يستفز البعض !
    اما ان ننتضر حدود من الآخرين فهذا امر قد يقتل التدوين لأن الحرية ببساطة لا توهب .

    متى نقول ان المدون قد تخطى حدود الحرية ؟
    عندما تنتقل هذه الحرية لتكون حرية مجردة وتنتفي عنها صفة المسئولية ، عندها يصبح الأمر مغامرة وعلى المدون تحمل نتائجها والدفاع عن وجهة نظره فيها . وكما قلت عليك ان لا تحرق اوراقك بسرعة استخدم اسلوب الكر والفر ، هذا اسلوب جيد من وجهة نظري للمراوغة المحمودة وكن سياسياً … قل كل شيء وكأنك لم تقل شيئ !!

    بشوره
    هلا بك :)
    انشاء الله بنوصل لها ، ونحن نسير في طريقها عموماً .

  5. عبدالله قال:

    اختيارك رائع..

    قلت أنك تخالفه في بعضها ومنها هذه..لكن لم تخبرنا في ماذا تخالف هنا..

  6. ضوء الحقيقه قال:

    جزاك الله كل خير وجعل ذلك فى ميزان حسناتك

  7. ضوء الحقيقه قال:

    بارك الله فيك وجعل ذلك فى ميزان حسناتك

  8. الفارس قال:

    مشكوور ووفقك الله للخير
    Thank You

  9. كريم قال:

    الله يكرمك ويسعدك

    good luck

  10. رعد قال:

    اسعد الله ايامك

  11. رعد قال:

    اسعد الله ايامك….

  12. توفيق قال:

    بارك الله فيك وجزاك كل خير

  13. توفيق قال:

    بارك الله فيك وجزاك كل خير.

  14. توفيق قال:

    بارك الله فيك وجزاك كل خير..

  15. الهلالى قال:

    الله يعليك ويكرمك اخى الغالى

  16. علاء قال:

    نور الله طريقك

  17. الشعر قال:

    نور الله دربك

  18. موقع حائل قال:

    مشكوووووووووووور

  19. جامبو قال:

    شكرا جزيلا على التدوينه الجميله

  20. الامبراطور قال:

    الف الف شكر وموفق باذن الله

أكتب رداً: